غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

174

تاريخ مختصر الدول

ببغداد وكان طبيبا حاذقا مصيبا . حكى عنه أبو الفرج ابن أبي الحسن بن سنان قال : كنت وإبراهيم الحرّاني يوما في دار أبي محمد المهلَّبي الوزير فتقدم أبو عبد الله بن الحجاج الشاعر إلى الحراني فأعطاه مجسّه . فقال له : قلت لك غلظ غذاك وأظنك أسرفت وذلك حتى أكلت مضيرة بلحم عجل . فقال : كذلك والله كان . وعجب هو والجماعة منه . ومدّ إليه أبو العباس المنجم يده فأخذ مجسّه فقال : فأنت يا سيدي أسرفت في التبريد أيضا وأظنّك قد أكلت إحدى عشرة رمّانة . فقال أبو العباس المنجم : هذه نبوّة لا طبّ . وزاد العجب والتفاوض في ذلك . وكنت انا أيضا أكثرهم استطرافا وتعجبا . فلما خرجنا قلت له : يا سيدي أبا الحسن صناعة الطب معروفة بيننا لا يخفى عني شيء منها فبيّن لي من اين ذلك النصّ على أن المضيرة كانت بلحم عجل لا بقرة ولا ثور ومن اين لك الدليل على أن عدد الرمّان إحدى عشرة . فقال : هو شيء يخطر ببالي فينطق به لساني . فقلت : صدقتني والله إذا أرني مولدك . وجئت معه إلى الدار ونظرت في مولده فرأيت سهم الغيب في درجة الطالع مع درجة المشتري وسهم السعادة فقلت له : يا عزيزي هذا يتكلم لا أنت وكلما تصيب في الطبّ من مثل هذا الحدس والقول فهذا سببه وأصله . وحكي ان عضد الدولة فناخسرو شاهنشاه بن بويه كان إذا افتخر بالعلم والمعلَّمين يقول : معلمي في الكواكب الثابتة وأماكنها عبد الرحمن الصوفيّ وفي حلّ الزيج الشريف ابن الأعلم وفي النحو أبو علي الفارسي . وكان عبد الرحمن بن عمر بن سهل أبو الحسين الصوفي الرازيّ فاضلا نبيها نبيلا ومن تصانيفه كتاب الصور السمائيّة مصورّ والأرجوزة وكتاب مطارح الشعاعات . وتوفيّ في سنة ست وسبعين وثلاثمائة وكان عمره خمسا وثمانين سنة . واما ابن الأعلم فاسمه عليّ بن الحسين رجل علويّ شريف عالم بعلم الهيئة وصناعة التسيير مذكور مشهور في وقته وكان قد تقدّم عند عضد الدولة . ولما توفّي عضد الدولة نقصت حاله وتأخر أمره عند صمصام الدولة ابنه فانقطع عنهم وأقام منقطعا وحجّ في شهور سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وفي عودته مات بمنزلة تعرف بالعسيلة . وكان في هذه المدة جماعة صالحة من مشاهير الحكماء منهم التميميّ المقدسيّ الطبيب كان بمصر في حدود سبعين وثلاثمائة أحكم ما علمه من علم الطبّ غاية الأحكام وكان له غرام وعناية تامّة في تركيب الأدوية وعنده غوص واستغراق في طلب غوامض هذا النوع وكان منصفا